السيد محمد حسين فضل الله
12
من وحي القرآن
سراية الشعور في الجماد ؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فإن هذه الدعوة لا تحمل في مضمونها الفكري أيّ أساس منطقي يحترم عقل الإنسان ، فإذا كان هؤلاء الشركاء لا يستجيبون لمن يعبدونهم في حاجاتهم وقضاياهم ومشاكلهم ، لأنهم بين حجر أو خشب جامد لا حياة فيه ولا حركة ، وبين شخص إنسانيّ أو جني أو ملائكي ، لا يملك أيّة قدرة ذاتية على الاستجابة لهم ، فكيف يمكن أن يكونوا آلهة أو رموزا تحمل أسرارا إلهية تجعلهم وسطاء بين الناس والآلهة ؟ ! هل هناك أساس لهذه الدعوة سوى الانجرار العاطفي الساذج نحو تقليد أوهام الآباء والأجداد بعيدا عن العقل ؟ ! وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وهذه صفة أخرى لهؤلاء الآلهة ، فهم لا يعون الدعوة لعبادتهم ، لأنهم غافلون عنها غفلة الجماد عما حوله ، لفقدانهم الإحساس ، أو غفلة الشخص الحيّ عما يعتقد الآخرون فيه ، لعدم اطلاعه على ذلك ، مما يجعل دعاءهم من قبل الداعي تعبيرا ذاتيا يتبخَّر في الهواء دون أن يترك أيّ أثر يستجلب الاستجابة من تلك الآلهة . وربما كانت كلمة « غافلون » جارية على سبيل الكناية عن عدم الوعي الذاتي والفعلي لدى هؤلاء الشركاء ، سواء بسبب كونهم من الجماد أو من الموجودات الحيّة ، فلا وجه لما استفاده صاحب الميزان من الآية في ما قاله في تفسيره : « وفي الآية دلالة على سراية الحياة والشعور في الأشياء حتى الجمادات ، فإن الأصنام من الجماد ، وقد نسب إليها الغفلة ، والغفلة من شؤون ذوي الشعور لا تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر » « 1 » . . فإن الآية ليست في مجال الإيحاء بتفاصيل الموضوع ، بل هي - في ما يظهر - في مقام الحديث عن طبيعته من حيث الدلالة على عمق ضلال المشركين . وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً لأنهم يواجهون اتهام الناس لهم
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 192 .